• اثار الانفصال على حاضر ومستقبل العلاقات بين السودان وجنوب السودان

    المستخلص: تناولت هذه الدراسة (آثار الإنفصال على حاضر ومستقبل العلاقات بين جمهورية السوان وجمهورية جنوب السودان) وتمثلت مشكلة البحث في أن منذ انفصال الجنوب لم تشهد الع... إقرأ المزيد.....
  • واقع وآفاق الشراكة الاورومتوسطية

    وضعت عملية برشلونة أسس جديدة للعلاقات الإقليمية في المنطقة, ما يمثل تحولا كبيرا في علاقة ضفتي المتوسط الغير متوازنتين ,نظرا للهوة الكبيرة التي تميز الشمال الم... إقرأ المزيد.....
  • إتجاهات العلاقات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م بالنسبة للقوى الدولية (الصين- روسيا – الإتحاد الأوروبي – العالم الإسلامي).

    Abstract:       The initial effects of the events of September atheist was clear in American politics, especially on the external level, has become the policy of ... إقرأ المزيد.....
  • الأبعاد الفكرية والعقائدية للجماعات الإسلامية الجهادية المتشددة (بوكوحرام النيجيرية نموذجاً).

    المقدمـــة:        نتيجة إنحسار سيطرة الدولة الإسلامية علي العالم الإسلامي منذ القرن العشرين الميلادي ، كثر إنبثاق الجماعات الإسلامية المتشددة وأصبح ذلك من سمات القرن الواحد وال... إقرأ المزيد.....
  • ضـروريات التعاون الاقتصـادي بين السـودان وجنوب السـودان وإمكانيـة تحقـيق التكـامل

    مقدمـة : جاء إنفصال جنوب السودان عقب الإستفتاء الشعبي لمواطني الجنوب في يناير 2011، وقد جاء الإستفتاء تطبيقاً لبنود إتفاق السلام الشامل الموقع بين حكومة السودان وبي... إقرأ المزيد.....
  • المشاركة السياسية ودورها في تحقيق عـملية التنمية السياسيــة

    مقدمة:         ترتبط المشاركة السياسية بالمسؤولية الاجتماعية التي تقوم على أساس الموازنة بين الحقوق والواجبات لذلك فهي سمة من سمات النظم الديمقراطية حيث يتوقف نمو وتطور الديمقرا... إقرأ المزيد.....



إضغط أعجبني ليصلك جديد المجلة على صفحتك

 

حاليا يتواجد 99 زوار  على الموقع

Free counters!



سارع إلى حجز موقعك الآن لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد ....نحن في خدمتكم

 

الـخــصــوصــيـة الإثــنـيـة فـي الـدول الأفـريــقـيــة
عدد الزيارات :8181زائر
تقييم المستخدمين: / 3
سيئجيد 
الكاتب الأستاذة : بن حسين سليمة قسم العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر 3   
الثلاثاء, 14 يناير 2014 10:32

مقدمة

        تعد الظاهرة الإثنية واحدة من أبرز الظواهر التي شهدنها المجتمعات الإنسانية  عبر العصور  قديما  وحديثا ، وازدادت أهميتها خاصة بعد بروزها على مسرح الأحداث الدولية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، ورغم تجلي الظاهرة الإثنية في كل بقاع العالم،إلا أنها تتجلى بشكل أوضح في الدول الأفريقية ، التي تشكل الخصوصية الإثنية فيها أهم السما ت الاجتماعية والسياسية لها ، حيث لازالت مؤسسات الدولة الوطنية رهينة للأبنية الاجتماعية و الثقافية المكونة لها، مما يهدد استقرار الدولة وسلامة مجتمعها.   وفي محاولة منا لفهم الخصوصية الإثنية في الدول الأفريقية ومكوناتها التي تشكل جزءا من نسيج البناء الاجتماعي للدولة  نطرح الإشكالية التالية : مــا هــي  مــكـونات  الــخــصوصــيـة  الإثـنـــيــة  في  الدول  الأفــريــقــيـة ؟.

 

Abstract

 

      The present study focuses on one of the most important issues related to the ethnicity and its characteristics in the African continent   .     The present study divided into three parts  which deal with this  concepts .   The first one is related to the ethnicity and the identity in the study of the political sciences  , and its theoretical  important in this study .                                                                                      The second one is related to kinds of the ethnic components .   Finally  we will refer  to the ethnic characteristics in Africa ,in order to give the reader  enough information about the  ethnicity concept in the African continent .   

مقدمة

        تعد الظاهرة الإثنية واحدة من أبرز الظواهر التي شهدنها المجتمعات الإنسانية  عبر العصور  قديما  وحديثا ، وازدادت أهميتها خاصة بعد بروزها على مسرح الأحداث الدولية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، ورغم تجلي الظاهرة الإثنية في كل بقاع العالم،إلا أنها تتجلى بشكل أوضح في الدول الأفريقية ، التي تشكل الخصوصية الإثنية فيها أهم السما ت الاجتماعية والسياسية لها ، حيث لازالت مؤسسات الدولة الوطنية رهينة للأبنية الاجتماعية و الثقافية المكونة لها، مما يهدد استقرار الدولة وسلامة مجتمعها.

        وفي محاولة منا لفهم الخصوصية الإثنية في الدول الأفريقية ومكوناتها التي تشكل جزءا من نسيج البناء الاجتماعي للدولة  نطرح الإشكالية التالية : مــا هــي  مــكـونات  الــخــصوصــيـة  الإثـنـــيــة  في  الدول  الأفــريــقــيـة ؟.

        ولحل إشكالية الموضوع نتطرق إلى مفهومي الإثنية والهوية في دراسة العلوم السياسية ثم نتناول المكونات الإثنية للمجتمعات الأفريقية والمتمثلة في العرق و الدين واللغة. 

 I -  الإثنية والهوية في دراسة العلوم السياسية

    1 - مفهـوم الإثــنـيــة Ethnicity   :

  أ-المفهوم اللغوي للإثنية:يعود الأصل  اللغوي  للفظة إثنية  إلى اللفظة اليونانية  القديمة "ETHNOS"و التي تقابل  في  معناها أو مدلولها لفظة أمة ""Nation، والتي تعني لدى اليونان كل جماعة بشرية ينحدر أفرادها من ذات الأصل 1. أما في العصور الوسطى فقد كان يطلق لفظ  "THNOE" في اللغاتالأوروبية على من هم ليسوا مسيحيين أو يهود 2 . أما المدلول المعاصر للإثنية فهو يعني الجماعة السلالية أو العرقية 3.

  ب- المفهوم الإصطلاحي للإثنية : هي كل جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأي سمات أخرى مميزة بما في ذلك الأصل والملامح الجسمانية4.كما تعرف بأنها كل تجمع بشري يشترك أفراده في بعض المقومات البيولوجية (كوحدة الأصل أو السلالة)، أو الثقافية (كوحدة اللغة أو الدين أو التاريخ أو العادات والتقاليد )، ويكون أفراد الجماعة العرقية وأفراد الجماعات الأخرى الذين يعيشون معهم ضمن نفس الأمة مدركين لتباين وتمايز جماعتهم عن غيرها في أي من السمات، على نحو يخلق لديهم الشعور بالانتماء لجماعتهم5 .

   ويعود ظهور هذا المصطلح في الدراسات الأوربية لعام 1787م ، وقد استخدم للإشارة إلى الشعوب أو الجماعات التي لم تكن مسيحية ، ومنذ عام 1880م بدأت الدراسات الغربية تستخدمه للإشارة إلى الشعوب التي كانت تنظر إليها كشعوب بدائية تفتقر للحضارة والمدنية ، ومع دخول العصر الإستعماري حصل الربط العميق بين الإثنية والعرقية أو العنصرية . فلم تعد الإثنية تستخدم للتعبير عن نمط حياة لشعوب بدائية ، وإنما تستخدم أكثر من ذلك للتمييز بين شعوب ذات مورثات بيولوجية تؤهلها للإرتقاء إلى مستوى الحضارة المدنية التي  تعيشها الدول الغربية ، وشعوب أخرى تبقى في مستوى منحط ومتدني بسبب ميراثها البيولوجي الذي لا يؤهلها للتمدن ، وهو الطرح الذي بررت به الدول الأوروبية شرعية هيمنتها الإستعمارية على هذه الشعوب ، وحتى بعد استقلال هذه الشعوب فقد استمر هذا المبرر للدول الأوروبية في إضفاء شرعية جديدة على عودة السياسات الإستعمارية باسم التدخل الإنساني في هذه الدول.

      وبالنسبة للفكر العربي فإن مصطلح الإثنية لم يدخل إلى أدبياتنا إلا بعد الحرب العالمية الثانية ، ولم يتفق المفكرون العرب على مرادف لها في اللغة العربية ، فهي وإن أشارت في عموميتها إلى هويات جماعية متميزة إلا أنها لا تكاد تستقر على حال في تعيين طبيعة هذه الهويات وأسباب الصراعات بينها  6 .

     ويعرف علماء الاجتماع الأمريكيون الجماعة الإثنية كل جماعة ذات مقومات ثقافية وحضارية مشتركة يسود أفرادها الشعور بالهوية المشتركة الواحدة وهذه الجماعة تعيش كجماعة تحتية (Subgroup)  داخل مجتمع أوسع 7

   من خلال ما تقدم نصل إلى أن  الإثنية لها خصوصيات متعددة ، منها ما هي وراثية (كالصفات الجسمانية ووحدة الأصل)  ، ومنها ما هي مكتسبة من بيئتها ( كاللغة ، الدين ، الثقافة ، العادات ، التقاليد ، التاريخ المشترك......الخ ) ، مع ضرورة أن يدرك  أفراد الجماعة الإثنية لتميزهم وخصوصياتهم الذاتية ، لأن هذا الإدراك هو الذي يولد لديهم الشعور بالانتماء و الهوية  المشتركة.

   2- مفهوم الهوية   Identity:

      يولي منظرو  المدرسة البنائية في العلاقات الدولية اهتماما خاصا بالعنصر  الثقافي في  العلاقات الدولية ، ويعتبر مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية عند تيار البناء الاجتماعي،وتعد بمنزلة رابط مهم بين البيئات الهيكلية .

   أ- المفهوم اللغوي للهوية : الهوية هي لفظ مركب من ضمير الغائب "هو " مضاف إليه " ياء " النسبة التي تتعلق بوجود الشيء المعني كما هو في الواقع بخصائصه التي تعرف بها.

ب- المفهوم الاصطلاحي للهوية : هي اسم الكيان أو الوجود لشخص أو لشعب أو لأمة على حاله ،  وهي تمكن من إدراك صاحب الهوية بعينه دون اشتباه بأمثاله من الأشباه  بناءا على مقومات ومواصفات و خصائص معينة 8.

  ج - أنواع الهوية :

  1- هوية فردية أو ذاتية : وهي هوية  طبيعية  تعتمد على المميزات الجسدية التي تميز  كل  كائن  بشري عن الآخر ، وتعد هذه الهوية مجالا لتفاعل الهويات الأخرى .

  2- هوية وطنية أو قومية أجماعية: وهي نسبة إلى الوطن أو الأمة التي ينتسب إليها الشعب،أي أن هوية أمة من الأمم هي مجموعة الصفات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الأفراد الذين ينتمون إليها،والتي تجعلهم يتميزون بتلك الصفات عما سواهم من أفراد الأمم الأخرى،وعليه فإن الهوية تهدف إلى التأكيد على شيء مشترك ومستمر بين الأفراد،كما أنها تفضي إلى ترسيخ التماسك والاستقرار والاستمرارية بين المواطنين 9. ويعتقد  واندت  أن الهوية  الجماعية هي  في الأصل خاصية ذاتية ، تكون لها دلالة إذا اعترف بها الآخرون ، وفي هذه الحالة ترتبط الهوية الذاتية بالهويات الأخرى  مشكلة هوية جماعية مشتركة بفعل دمج  الأفكار التي تعتنقها الذات، والأفكار التي يعتنقها الآخر، فتصبح هوية جماعية .

3- هوية النوع : وتشير إلى الصنف الاجتماعي أو الأشخاص الذين يشتركون في سمات  وخصائص  كالسلوك أوالقيم أوالعرق أوالتاريخ أواللغة  أوالمعرفة  أوالثقافة أو المجال الجغرافي ، ولهذه الهوية بعد ثقافي .

4- هوية الدور : وهي أصلية التكوين مثل هوية النوع ، وتعتمد في تكوينها على الآخرين ، ويرى  واندت  أن هناك حاجة لإعطاء البعد الاجتماعي لهيكل السياسة العالمية دورا أكبر باتباع سلوك وتقاليد محددة في العلاقات الدولية10 .

د -  الهوية والجماعة الإثنية :

     إن المكون الثقافي للذاتية الإثنية هو الذي يجعل أفراد الجماعة  الإثنية  مدركين  لوحدة لهويتهم  الثقافية المتميزة النابعة من التشابه في المقومات الثقافية لهذه الجماعة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خلق عاطفة الولاء لهذه الجماعة ، تلك العاطفة  التي تؤدي  دورا بارزا  في  إحداث نوع من التماسك  بين أفرادها الذين  يحافظون على قيمها وأنماط  سلوكها ويظهرون كجماعة واحدة متضامنة في تعاملها مع الغرباء 11 . وتتولد الهوية من الوعي الإثني بالذات لدى أفراد جماعة معينة من خلال علاقات الجماعة وتفاعلها مع الجماعات الإثنية الأخرى التي تشاركها نفس الإطار اجتماعي و السياسي، فالإدراك الذاتي للتفرد والاختلاف عن الآخرين لدى أفرا جماعة ما لا يعدو أن يكون نتاجا لرؤيتهم وإدراكهم لهوية الآخرين ولتمايز هويتهم عن هوية الآخرين ، وتقوم الجماع العرقية ببث الوعي العرقي وإدراك الهوية في نفوس أفرادها عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية ، وذلك بغية الحفاظ على كيان هذه الجماعة وتراثها الثقافي ، وعاده ما يكون الوعي الإثني  مرتبط ومقترن بروح العصبية بين أفراد هذه الجماعة ضد الجماعات الأخرى المختلفة عنهم فيما يتصل بهويتهم وذاتيتهم ومقومات هذه الذاتية وتلك الهوية التي لا تكون إلا بشعور التضامن  والتلاحم الجماعي لهذه الجماعة  تجاه  الجماعات  الأخرى ، خصوصا إذا ما لاقت هذه الجماعة  تفرقة  واضطهاد  في المعاملة من جانب الجماعات الأخرى ، مما ينمي الشعور بالوعي  بالهوية  الواحدة ، ويجعلهم يعملون دوما من أجل الحفاظ عليها ودعمها في مواجهة عوامل الضعف والتحلل 12.

3 – أهمية الإثنية والهوية في دراسة العلوم السياسية

   تكتسي الإثنية والهوية أهمية بارزة في دراسة العلوم السياسية، وإذا كانت الأصول النظرية لهذه المفاهيم تعود إلى علمالاجتماع بداية من المفكر الاجتماعي ابن خلدون إلى إميل دوركايم و إنغلز وماركس إلى غرامشي وماكليلاند وماسكراي وبريتشارد..الخ ، فإنها قد استرعت انتباه علماء السياسة مع تفاقم النزاعات الدولية المرتبطة بأسباب إثنية وانعكاساتها الخطيرة على استقرار هذه الدول،ومن هنا فإن هذه النظريات السياسية غالبا ما تفسر الإثنية و الهوية من منطلق أمني،لارتباطها بالنزاعات الإثنية، وللإحاطة بمراحل التنظير في هذا المجال،سنقوم بتتبع المدارس النظرية الاجتماعية المفسرة  لهذين المفهومين ضمن علم  الاجتماع  السياسي، ثم  نصل إلى المقاربات السياسية  الحديثة في هذا المجال، سعيا منا لفهم أشمل لهذا الموضوع .

  أ- التحليل النظري للإثنية والهوية في علم الاجتماع السياسي 

    انطلاقا من أن الإثنية و الهوية هي مفاهيم اجتماعية في الأصل ، أسهم  فيها وطورها علم  الأنثروبولوجيا ( هو العلم الذي يدرس الإنسان من الناحية الطبيعية والاجتماعية والحضارية) وعلم الأثنولوجيا (هو علم الأعراق البشرية ) ، فبجدر بنا التطرق المدارس النظرية الاجتماعية الرئيسة التي تمثل مدخلا  لدراسة  الإثنية  والهوية ، والتي سنخرج  من خلالها بنتائج تحليلية مفيدة نظريا وتطبيقيا لهذا الموضوع .

1- المدرسة الاستعمارية: اشتهرت هذه المدرسة خاصة  خلال  الفترة  الاستعمارية  الأوروبية ، وقد هيمنت عليها الكتابات الاجتماعية  للمفكرين الفرنسيين الذين أعادوا صياغة التاريخ الاجتماعي للقارة الأفريقية ، ومن أبرز المفكرين الذين درسوا المجتمعات الأفريقية و المغاربية على الخصوص، نجد المفكر الفرنسي جاك بيرك (Berque  Jacques ) ،من خلال دراسته القيمة حول المجتمعات المغاربية تحت عنوان ( مائة وخمس وعشرون سنة من علم الاجتماع الشمال أفريقي) ،مركزا على الأبحاث التي أنجزها كل من كل من هانوتو، لاتورنو، ماسكراي ،مونتانيي، كاريت،على مجتمعات هذه المنطقة، وكذلك هناك دراسة للمفكر سباتيي تحت عنوان ( علم اجتماع الأهالي) ،وتندرج هذه الدراسات في إطار ما كان يسمى بـ ( العلوم الاستعمارية ) ،وكان التركيز في أعمال مفكري هذه المدرسة منصب في البدء على موضوع  السكان المستقرين من ذوي الأصول البربرية،حيث ركزوا تحديداعلى القبيلة، واعتبروها خصوصية اجتماعية  أفريقية. ولقد كانت الفرضيات العلمية متطابقة مع فرضيات السياسة  الاستعمارية، التي كانت تعتبر أن السكان المستقرين سيكونون أقل  رفضا  للتدخل الاستعماري، كما أن هذا الأخير يسعى إلى استغلال التنوع الإثني استغلالا سوسيولوجيا  يذكرنا بمقولة إدوارد سعيد " إن الباحث المستشرق يسير أمام العسكري "، لقد كانت أغلب أبحاث هؤلاء تنطوي فكرة إثبات الركود الاجتماعي والانقسام السياسي،وكانت سياقات البحث مرتبطة بمهام ووظائف سياسية  لهؤلاء الباحثين ، وليس بواقع البنى الداخلية للمجتمعات المدروسة. كما أن تعميم الخصوصيات المحلية على المجتمع الكبير، أدى إلى الخلط  وتشويه الواقع، حيث أعاد هؤلاء  المفكرون صياغة تاريخ اجتماعي ممسوخ لا يرتكز على أية أسس مادية واقعية 13 .

      لقد أخذ نقد هذه المدرسة  مداه في المرحلة الحديثة على  يد "جورج  بالا نديي" ،وخاصة مع  تصاعد المد التحرري والذي دعا إلى ما أسماه بـ (علم الاجتماع الاستقلالي) ،ردا على ما عرف بـ (علم الاجتماع الاستعماري) ، ذلك أن جل الكتابات الغربية في هذا المجال ، لم تستطع التخلص من الإرث الاستعماري الثقيل بمفاهيمه وفرضياته وأفكاره  المسبقة ،إذ ظلت خلفيات الاستشراق وتأثير صناع  القرار الاستعماريين ، تؤثر في أغلب التحليلات  الخارجية  التي تطرقت إلى المفاهيم الاجتماعية 14.

2- المدرسة الانقسامية : لقد جاءت  المدرسة  الانقسامية  أو التجزيئية  بتأثير أنجلو ساكسوني ،  متخطية  النزعة الاستعمارية ، ومحاولة الابتعاد عن التنظيرات  الأيديولوجية المباشرة ، وقد ساعد توسع مجال بحوثها  الميدانية  في جلب العديد من الباحثين في ميدان الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي ، خاصة وأنها كانت أكثر قربا من الميدان15 .

  لقد جمعت المدرسة الانقسامية  بين خصائص  التحليل البنيوي  والوظيفي  في آن  واحد ، فحاولت  تحليل الميكانيزمات الداخلية والظاهرية للمجتمعات ، وركزت على التعميم للجزء على الكل، كما ركزت مثلها مثل المدرسة الاستعمارية على العلاقات القبلية ، واعتبرتها  خصوصية  اجتماعية  مغاربية ، وتتميز هذه  المدرسة  بالتحليل البسيط  واستعمال  البيانات والإحصائيات، وانطلقت هذه المدرسة من دراسة الانسان الأفريقي خاصة  المغاربي مع أبحاث كل من (غيلنر، هانوتو،لوتورنو) حول القبيلة في الجزائر، وأطروحة "ماسكراي" حول البنيات والمؤسسات  القبلية في مناطق القبائل والأوراس والمزاب ، متطرقا لمواضيع انثروبولوجية ( كالقبيلة والعرش والثأر والشرف والبداوة..الخ). ويعتبر "إميل دوركايم"هو

أول من وظف مصطلح الانقسامية (éritégmentaS La) في علم الاجتماع،وذلك للدلالة على أن المجتمع الانقسامي ذي التضامن الآلي يقوم على مبدأ التشابه بين كيانات مستقلة وقائمة بذاتها، كما يعتبر" إيفانز بريتشارد" من المؤسسين للمدرسة الانقسامية، وقد عرف بأبحاثه القيمة حول قبيلة " النور" بجنوبي السودان 16.

   - خصائص المدرسة الانقسامية :

       -هيمنة  النسب الأبوي على  المجتمع : وتنعكس  علاقات  القرابة  في مستوى  المجال الجغرافي ، لأن  لكل  قبيلة موطنها وجدها المشترك .

       - مبدأ الانصهار والانشطار : حيث يكون هذين المبدأين حالتين من حياة الجماعة ، تظهر الأولى في حالات الخطر وفقدان الأمن، فيسود التضامن والتوحد لمواجهة التهديدات الداخلية ، وتظهر الثانية في حالات السلم والهدوء حينما يدب الصراع بين الفروع القبيلة المتجاورة .

  - غياب التراتب  الاجتماعي الدائم : رغم أن القبائل  تنطوي على هرمية  متدرجة بحسب الحجم والقوة  إلا  أن تدرجها يتغير باختلاف موازين القوى داخلها .  

  - بروز بعض الفاعلين بشكل استثنائي وقيامهم بدور تحقيق التوازنات مثل: " الصلحاء " و" الأعيان"  ، ولعب  دور ضمان أمن الحدود .

      رغم أن المدرسة  الانقسامية لم تخرج عن العباءة الاستعمارية ، ويعيب عليها أنها تجاهلت التطور التاريخي للمجتمعات المدروسة ، إلا أنه يمكن  القول أن هذه المدرسة قد حققت  خطوات  ملحوظة في ميدان  الأنثروبولوجيا السياسية، لفهم الأوضاع  الحديثة  في الدول الأفريقية، وقد اعتبر أنصار هذه المدرسة أن الأنثروبولوجيا التاريخية وحدها هي القادرة على تجاوز أزمة  المدرسة الانقسامية ، لأن  بإمكانها أن تحقق التمفصل بين البنيات  الاجتماعية  والتاريخ، لأنها تتحاشى في دراستها عزل المجتمعات عن سياقها الاجتماعي والتاريخي17 .

3- المدرسة الماركسية:انبثقت المدرسة الماركسية من الفكر الأوروبي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، منذ أن كتب كارل ماركس كتابه (الملكية الجماعية الأرض) سنة 1879عندما زار الجزائر لأول مرة ، ورأى أن هذا النوع من الملكية هو عبارة عن شكل جماعي يلاءم طبيعة المجتمع القبلي، واعتبر الجزائر هي البلد الثاني بعد الهند الذي لا يزال يحتفظ بالشكل القديم للملكية العقارية،والذي يمثل الملكية القبلية المشتركة،وهي عبارة عن أسر كبيرة تحتكر النفوذ والثروة والسلطة داخل المجموعات الإثنية،ومع ظهور حركات التحرر واستقلال الكثير من الدول انتشرت أفكار ماركس وغرامشي وألتوسير، ومن بين أهم المتأثرين بهم نجد: إيف لاكوست ، كويزني، رودينسون،غاليسو، ويبرز هؤلاء المفكرون أهمية المنظومة القبائلية والعشائرية والسلالات الأبوية، حيث يرتبط  الفرد بالجماعة الملتحمة .

    من خلال ما سبق شرحه نصل إلى أن المدارس الثلاث  السابقة الذكر ذات خلفيات مسبقة تخدم المستعمر، فعوض أن تكون  ترجمة مقدمة ابن خلدون في الثلاثينيات من القرن الماضي على يد" ديلان "،فرصة  لتصحيح المسارات  المرجعية حول الدراسات  الأنثروبولوجية  للمجتمعات الأفريقية ، فإن أغلب الكتاب الغربيين آنذاك  قد أخذوا من هذه الترجمة ما يناسب فرضياتهم فقط، بشكل يوحي بالذاتية ، ويبتعد عن الموضوعية 18،هذه  المدارس النظرية، تختلف في المنهج  والتحليل، لكنها تصل إلى نفس النتيجة،وهي الترويج  للمركزية الغربية التي تحاول أن تقنع الشعوب المستعمرة ،بأن الاحتلال الأجنبي، يحمل لها الثقافة والحضارة ، وهي نظرة استعلائية عنصرية مازالت آثارها قائمة إلى اليوم .

  ب - التحليل النظري للإثنية و الهوية في دراسة العلاقات الدولية

   شهدت نهاية الحرب الباردة تحولا جذريا في السياسة الدولية،حيث تغيرت الفواعل و انحسرت سيادة الدول، وبرزت الحركات الإثنية مطالبة بالاستقلال والحرية وتأكيد هويتها،ولكنها كانت أكثر حدة  في الدول الأفريقية، حتى أخذت النزاعات في أفريقيا  طابعا إثنيا، فأدت المتغيرات الجديدة التي أفرزها هذا النمط من الفواعل الجديدة في السياسة الدولية إلى تطور الأطر التحليلية  النظرية لتلاءم تفسير هذه المفاهيم  الجديدة ، وسنحاول تقديم أهم هذه الأطر النظرية في محاولة لفهم هذه الموضوع .

1-المقـاربة الإثـنـو- واقـعـيـــة (réalism–Ethno) :

   بعد نهاية الحرب الباردة دعا كثير من المنظرين إلى ضرورة تكييف النظرية الواقعية مع خصوصيات الواقع لما بعد الحرب  الباردة، والتي غالبا ما ترتبط بالنزاعات الإثنية، وتركز هذه المقاربة على ما يلي:

 أ- الـخـــوف:يركز الإثنو واقعيون على المخاوف الجماعية كمصدر للنزاعات الإثنية19، ويميزون بين نوعين من الخوف: خوف من الاندماج ،وخوف من التهديد الخارجي لكيانها ولحياة أفرادها، وهذا الأخير هو الذي يهمنا هنا، فالمخاوف الجماعية تحرك في الغالب النزاعات الإثنية،وهذا الخوف يحدث إذا كانت الأقلية الإثنية محل التمييز وانتهاك حقوق الإنسان20، ويشتد خوف الإثنية أكثر في حالات الفوضى أين يصعب على الدولة التدخل من أجل التحكم وضبط العلاقات ولأوضاع بين الإثنيات وهذا ما قد يؤدي  إلى ما عبر عنه "ليديراش  جون"بعملية اللبننة "ibanisationL "،حيث تؤدي هذه الأخيرة إلى فقدان السلطة المركزية للدولة فتصبح  سلطة الجماعات الإثنية، وهذا يعود إلى تعددية الجماعات من جهة، وضعف الحكومة المركزية،إلى جانب الدور الذي تلعبه التحالفات، ويشير المحللون إلى أن النزاعات الإثنية هي انعكاس للخوف ونظم الاعتقاد ذات الصور السلبية عن الآخر،مما يغذي العداء المتبادل بين الجماعات الإثنية، أو كما يسميها" Azar " بالنزاعات الاجتماعية المتأصلة، والتي تدور في حلقة من التصعيد والعنف .

ب- المعضلة الأمنية (téricués de nmedelLe): لقد حاول الإثنو- واقعيون تكييف النظرية الواقعية مع  الخصوصيات  الإثنية للنزاعات ، حيث ركزوا على الإثنية كمستوى أساسي للتحليل بدل الدولة لدى الواقعيين، كما قاموا بتكييف مفهوم الفوضى الذي يعتبر ميزة للنظام الدولي لدى الواقعيين ،  فالعلاقات  الإثنية  تؤدي إلى نزاعات لأنها غير خاضعة  للسلطة الفعلية  للدولة، فعندما تنهار الدولة  تحل الفوضى الداخلية التي تشبه الفوضى في النظام الدولي،فمعضلة الأمن تنطبق على الإثنيات كماهو الحال بالنسبة للدول 21،ومن هنا تصبح المواجهة الإثنية  نتيجة للمعضلة الأمنية أو كما يسميها باري بوزان  بالمعضلة الأمنية الداخلية الإثنية،و الذي يعتبر أول من طبق مفهوم المعضلة الأمنية على الواقع الإثني، حيث تقود مخاوف كل طرف إلى استخدام كلاهما للقوة لتحسين وضعه النسبي،ويرى كوفمان أن المعضلة الأمنية الإثنية تشكل المعوق الرئيسي لعملية حل النزاع على المدى الطويل، كما أن من المستحيل تغيير الولاء الإثني في النزاعات الإثنية، وبما أن النزاعات الإثنية تعمق الانشقاقات داخل الجماعات الإثنية، فهي تزيد وتنمي من الشعور بالهوية، وبالتالي تقوي المعضلة الأمنية، وقد اقترح الإثنو- واقعيون لحل هذه المعضلة فرض السلم بالقوة ،عن طريق تواجد قوة دولية ضرورية لفصل المتنازعين، وضمان استمرارية اتفاق السلام . ويقول روبرت جيفيس أنه لا يمكن الخروج من المعضلة الأمنية نهائيا باعتبارها بمثابة العامل الرئيسي للوجود  والبقاء22.

2-الـمـقـاربــة الــبـنــائـيـة (Constructivism) :ظهرت كنموﺫج في العلاقات الدولية مع نهاية  الثمانينيات،خاصة مع كتابات" ndtWe Alexander" و"onuf Nicolas"23. أدخل هﺫا الأخير الأدوات البنيوية في دراسة العلاقات الدولية بالاعتماد على التوفيق التـﺫاتاني (SubjectiveArrangement) الـﺫي يركزعلى تأثير المعاييروالقيم والأفكار على سلوك القواعد الدولية24،فمن الناحيةالأنطولوجية تختلف هﺫه المقاربة النظرية عن النظريات التفسيرية في أنها تدافععنأهمية الهويةفي بناء السلوكيات والمصالح،أمامن الناحية المنهجية فهي ترفض سيطرة منهج علمي واحد،وتطالب بالتعدديةالمنهجيةوتفضلالمنهجيةالتفسيرية25،وتنصب أبحاث البنائيةحول طبيعة القواعد ( الدول،الجماعات،الأفراد) والعلاقات البنيوية التي تعرف بالعلاقة بين الفاعل والبنية (ructuretS-Acteur )26، وهﺫا يبين أكبر إسهام ابستمولوجي،وﺫلكمن خلال إيجاد حل لإشكالية العلاقة بين الفاعل والموضوع،و الـﺫي يشكل كل طرف زوجا غير قابل للانفصال وهذا ما يعرف بـ (التكوين المتبادل ) ، وتنطلق البنائية من عدة فرضيات في محاولتها لتفسير السياسة الدولية وتتمثل فيما يلي :

     -  تشكل الدول الوحدات الرئيسية للتحليل .

     -  إن البنى الأساسية للنظام القائم على الدول مبنية بشكل تـﺫاتاني

     -  البنى الأساسية للسياسة الدولية هي بنى اجتماعية وليست مادية .

     -  إن العلاقات الدولية لا تتأثر بسياسة القوة فحسب ، بل أيضا بالأفكار .

     -  إن البنية هي نتاج علاقات اجتماعية .

     -  إن الهويات ومصالح الدول تتشكل بفعل البنى الاجتماعية27.  

     انطلاقا من هﺫه الفرضيات تحاول  البنائية تبني تصورا أكثر اجتماعية ، لـﺫلك تولي أهمية بالغة  للهوية في تفسيرها للعلاقات الدولية، ويرى هﺫا الاتجاه أن العلاقة بين الهوية والأمن علاقة سببية، والتي تتجسد في السياسة الأمنية الوطنية ، كما تركز من جهة أخرى على البنية الدولية  باعتبارها تحدد  سلوك الدول ، كما  يشترك  البنائيون  مع الواقعيين  في فوضوية  السياسة  الدولية ، وأن الدول لها قدرات هجومية ، وأن الدول لايمكن أن تكون متأكدة بشكل مطلق من نوايا الدول الأخرى ، وأنها تحاول أن تسلك سلوكا عقلانيا، فهي إﺫن تعترف  بالقدرات العسكرية للدول وعقلانيتها إلا أنها تعتبر الطبيعة الفوضوية بناءا اجتماعيا28. وتنتقد البنائية كلا من الليبيرالية والواقعية الجديدتين لأنهما تعتبران مصالح ومصالح الفاعلين محددة سلفا، فهي تتجاوزهم في ذلك وتعتبر الهويات والمصالح مجسدة  في مؤسسات تحتويها ، وهياكلها تنعكس في شكل قواعد رسمية، أو مصالح أو هويات، وبناءا على هذه الرؤية، فإن المِؤسسات هي عملية استيعاب داخلي لوجود الفرد وهويته ومصالحه، وهي عملية معرفية وسلوكية، وتمثل التنشئة الاجتماعية جزءا أساسيا من عملية الاستيعاب الداخلي للهويات ، وبهذا فإن الفوضى وتوزيع القوة لهما معنى فقط في ظل الدور والتوقعات المنطلقة من الهويات والمصالح المؤسسية،وإذا كانت المدرستين الليبيرالية والواقعية الجديدتين تركزان على تعظيم المنفعة، وتعتبران أن كل الهويات والمصالح  في السياسة العالمية  لها هوية واحدة هي العمل على  تحقيق مصالحها، أما البنائية فهي ترى أن الدولة  والأماكن تنطلق من فهم ثابت ومحدد  ومعروف سلفا لهويتها ،وتعتمد على الأطر التاريخية  والثقافية والاجتماعية ، فالهوية تؤثر في السياسة العالمية ، إذ تقوم بوظائف عدة ، فهي تعرفك من أنت،وتعرفك  بالآخرين ، وتفهم الدولة الآخرين بناءا على الهويات والمصالح ، حيث أن هوية الدولة  تعكس  أفضالياتها ومصالحها وأفعالها القادمة29 .

   لقد اهتم  البنائيون عموما بدراسة وتحليل الظواهر الدولية، خصوصا منها القضايا الأمنية، والنزاعات الداخلية وخصوصا النزاعات الإثنية المتعلقة بالهوية، إﺫ يرون أن أزمة الهوية هي ديناميكية سيكولوجية ،وأن النزاعات الداخلية إنما هي نتاج لهشاشة الهوية الإثنية، إلا أنها في واقع الأمر ما هي إلا بناءا لقادة إثنو– سياسيين،فلكي تحدث أزمة الهوية يجب توفر مجموعة من الظروف المساعدة على انفجار النزاع ، فمرض الهوية عبارة عن  تزامن لمجموعة من الأعراض ويلخصها  " hualT  François" في ثلاثة أزمات هي :

1- الأزمة الاجتماعية – الاقتصادية :إن انعدام الرفاهية ،وتجني مستوى معيشة السكان ، وارتفاع نسبة الفقر، يزيد من درجة  التوتر داخل  المجتمع  وعدم  الاستقرار ويعزز  اللامساواة  والتهميش ، مما يدفع  لتحريك  المطالب الاجتماعية والاقتصادية  والسياسية،ويمهد لظهورالنزاع وتصعيده سعيا لتحقيق الذات والبقاء للجماعات الإثنية داخل المجتمع ككل30.

  2– أزمة الدولة : إن أزمة الهوية لن تحدث إذا لم يكن هناك أزمة دولة ، فالدولة في هذه الحالة لم تستطع تقلد وظائفها الدولاتية  ، ووقفت عاجزة عن تلبية أبسط الحاجات للمواطنين ، وهذا العجز ناتج عن شخصنة  الدولة، أي أنها أصبحت تخدم أقليات أو جماعات معينة تحتكر السلطة والثروة وتمثل الدولة في شخص هؤلاء ، وبما أن دولة ما بعد الاستقلال ضعيفة وهشة ويسيطر عليها العامل الإثني، فغالبا ما يخلق التمييز بين الجماعات الإثنية، كما أن الحياة السياسية في هذه الدول لا يمكنها أن تقوم  إلا على أساس نزاع  الهوية  الإثنية ، وقد توصلت الدراسات في هذه المجال إلى أن المطالبة بالحقوق  السياسية ينبثق في الأساس من سياسات  التهميش والتمييز والإقصاء التي يمارسها النظام السياسي أو الطبقة الحاكمة، إلا أن هذا العامل وحده لا يكفي لبروز أزمة الهوية31.

 3- أزمة التجانس الداخلي الإثنو– ثقافي (éténiégortéHé ) : ترتبط الظروف الهوياتية إلى حد بعيد  بعامل التجانس الداخلي ن والذي  يفرض وجود  أقليات  أو إثنيات وطنية أو دينية من جهة ، ووجود  جار يعتقد أنه عدواني ، خاصة إذا كان هذا الجار يدعم أحد مكونات المجتمع في دولة معينة ، فعدم التجانس الداخلي هذا يجعل الإثنيات تعيش منغلقة في نفس المجال السياسي ونفس الحدود، ويخلق فجوة تقسم الجماعات المختلفة الهوية إلى" نحن" و "هم" ، كما تنقسم إلى " أهل البلد " و " الغرباء " ، ومن هم " داخل الجماعة" ومن هم  "خارج الجماعة"32، وكلما زادت الفوارق بين الجماعات الإثنية ، كلما اتسعت هوة التفاهم ونمت الأحقاد أكثر فأكثر ، فيلجأ إلى العنف أو الهجرة  33.

   إن انفجار أزمة الهوية إنما هي نتاج تفاعل الأزمات الثلاث ، وبالرغم من أن البنيويون يركزون على الهوية في تحليل النزاعات الإثنية ، إلا أن الهوية  الإثنية لا تعتبر العنصر الأساسي في النزاعات الإثنية في نظرهم ، وإنما يتعلق  الأمر بمختلف التصرفات ،الخطابات ، الإدراكات ،التصورات  القائمة لأفرادها ، فأزمة  الهوية ما هي إلا ابتكار للنخب الحاكمة ، حيث تعمل على تشويه مظاهر ثقافة  الجماعة التي تمثلها للحفاظ على وجودها ، وكسب امتيازات سياسية واقتصادية ، وهذا يعني أن الإثنية  كهوية ظاهرة طبيعية ليست مصدرا للعنف والصراعات الإثنية ، وإنما طريقة استخدامها من  قبل القادة  السياسين هو السبب الرئيس في حدوثها34،إذ يقوم القادة  الإثنو-سياسيون باستغلال أوقات التوتر والفوضى للتحريض وإثارة الحرب35، مستخدمين الرموز الإثنية لتعبئة الدعم الشعبي، خاصة في أوقات الأوضاع المتردية  للدولة ومؤسساتها، مما يعزز من الخوف الإثني لزيادة نفوذهم  وتأثيرهم ، فيتسببون بذلك في أزمة الهوية الإثنية، فالفوضى لها فائدة لدى الحكام من جهة،وزبائنهم من جهة أخرى، بما أن القوى الكبرى والصغرى والمتوسطة  تستعمل عامل الهوية بهدف كسب غايات جيو سياسية وإستراتيجية 36، مما يسهل عملية التحالفات بين مختلف الفواعل الداخلية والخارجية ذات المصالح ،خاصة أن العامل الإثني يعد أحسن مؤشر وطريقة للعب دور الزبون37. ويميز" FrançoisThual " بين مفهومي نزاع الهوية وأزمة الهوية وذلك من الناحية الإبستمولوجية، فيرى أن نزعة الهوية تتميز بامتدادها في الزمن المتوسط والقصير من حيث مسارها،ومهما كانت قديمة،فإنها تستطيع أن تبرز بسرعة،كما أنه نزاع ينتهي بحل سواء عن طريق التفاوض أو باستعمال القوة، بينما أزمات الهوية تتميز بامتدادها في الزمن الطويل،فهي خالدة ومغروسة في أعماق الخيال الاجتماعي38، وتتجسد من خلال انبثاق نزاعات إثنية دامية تدافع فيها الجماعات أو أطراف النزاع عن ثقافتها وهويتها الخاصة بها قد تصل إلى حد الانفصال الإقليمي من الدولة39.

II – أنواع  المـكـونـات الإثـنـيــة للـمـجـتـمعـات الأفــريـقـيــة

   إن المكونات الإثنية للمجتمعات الأفريقية تمثل مقومات أساسية لهذه المجتمعات ، والتي لها أثر مهم في تحديد هوية هذه المجتمعات، وكذا في تحديد طبيعة العلاقات بين  هذه المجتمعات داخل الدولة .

  أولا : الـمـكــونــات البــيــولــوجــيــة 

  - وحدة العرق أو السلالة :تتمثل المكونات البيولوجية  في وحدة السلالة أو الأصل أو العرق الذي ينحدر منه أفراد الجماعة العرقية ، وهي صفات وراثية كحجم الجمجمة وشكل الأسنان والأنف40.    

  ثانـيـا : المـكـونـات  الــثــقـــافــيـــــة

 - رغم تعدد المحددات الثقافية للإثنية إلا أن بعض الباحثين يفضلون دراستها على أساس اللغة والدين، باعتبار هذين المعيارين من أهم مقومات الجماعة الإثنية 41، وتتحدد مكانة الجماعة الإثنية إزاء غيرها من الجماعات الأخرى التي تشاركها ذات المجتمع في ضوء ثقافتها التي تحكمها الأعراف والتقاليد والمعتقدات الدينية التي لا تقل صرامة القانون 42 .

أ - وحدة اللغة :لا تمثل اللغة أداة للتواصل والتخاطب بين الأفراد فحسب ، وإنما تمثل كذلك وعاء للثقافة ونمطا للتفكير ومخزنا للتراث ، ومن هنا فإن لغة الجماعة الأصلية - التي تسمى بلغة الأم- تمثل أداة التنشئة الاجتماعية لأفراد الجماعة الإنية، ومن هنا فإن اللغة تعد بمثابة مرآة لنسق القيم والمعايير وكذا لقواعد السلوك السائدة في هذه الجماعة، ذلك أن الاختلاف اللغوي للجماعة الإثنية من شأنه أن يجعلها مختلفة من حيث إطارها الثقافي الذي يكون متميزا وله من الخصوصيات ما يجعل أساليب معيشة الجماعة مغايرة -على نحو واضح- لأساليب معيشة الجماعات الأخرى 43 .

ب - وحدة الدين: يمثل اشتراك أفراد جماعة ما في وحدة العقيدة الدينية مقوما بارزا من المقومات الذاتية الإثنية لهذه الجماعة ، ذلك بأن العقيدة الدينية تؤثر تأثيرا بالغا في سلوك الجماعة ، وعلى نحو يفوق أحيانا تأثير وحدة السلالة أو اللغة على سلوك أفراد الجماعة الإثنية لارتباطهم ارتباطا وثيقا بعقيدتهم الدينية، من ناحية أخرى ،فإن تباين الجماعات الإثنية المشكلة لمجتمع ما من حيث الدين لا يكتسب أهمية  سياسية  إلا إذا ترتب عليه تنافس أو تنازع أو صراع بين هذه الجماعات ،سواء في مجال القيم أو الثروة أو السلطة أو غير ذلك من المجالات ، ومن هنا يفرق كثير من الباحثين بين مفهومي الطوائف والطائفية ، إذ يشير المفهوم الأول إلى مجرد التنوع في المعتقدات و الممارسات الدينية بين الأفراد أو الجماعات  التي يتشكل منها المجتمع، في حين أن المفهوم الثاني- أي الطائفية– يشير إلى استخدام هذا التنوع الديني لتحقيق  أهداف سياسية  أو اقتصادية  أو ثقافية أو غيرها. ويؤدي "عامل الدين" دورا بارزا في تحديد طبيعة العلاقات بين الجماعات الإثنية المشكلة لها، وفي تحديد طرق وأساليب حياتها، مما يجعله يشكل مقوما بارزا من مقومات ذاتيتها ، كما أن تباين العقائد الدينية للجماعات الإثنية من شأنه أن يهيأ لظهور الطائفية في ذلك المجتمع44. فالدين هو عبارة عن مؤسسة اجتماعية طبيعية لاتستغني عنها أية جماعة إنسانية مهما كانت بدائية،ففكرة الدين مندمجة بالإنسان منذ نشأته ويجمع المفكرون على أهمية الدورالذي يلعبه الدين في تكوين المجتمعات والأمم45.

ثـالـثـا :  تــصـنـيـف الـجـمـاعــات الإثــنـيـة

       هناك عدة تصنيفات للجماعات الإثنية  وتتمثل فيما يلي :

   - الاتجاه الأول : يأخذ بالمقومات الذاتية للجماعة الإثنية

 1- الجماعة السـلالـية: وهيجماعة إثنية يرتبط أ فرادها فيما بينهم من خلال رابطة العرق المشترك، وذلك على اعتبار أن هذه الرابطة هي المقوم الأصيل لتمايز جماعتهم إزاء غيرهم من الجماعات الأخرى التي يتشكل منها مجتمعهم46. وتعتبر رواندا حالة خاصة من الحالات التي اندلعت  فيها  الحرب الأهلية استناداً إلى أسباب عرقية . فعلى الرغم من بساطة التركيبة الإثنية  في رواندا ( من ثلاثة جماعات فقط هي : الهوتو 85%، التوتسي 14%، التوا 1%)، وعلى الرغم من التجانس الملحوظ بين المواطنين من حيث اللغة والديانة ونمط التنظيم إلا أن المؤرخين والأنثروبولوجيين الاستعماريين عملوا على إضفاء ظلال عنصرية على الإثنية في رواندا من خلال التأكيد على اختلاف الأصول «العنصرية» للجماعات الرواندية ، وعلى الرغم من أن الأساطير الشعبية الرواندية تحفل بالقصص التي تعزز فكرة تفوق التوتسي على الهوتو والتوا ، إلا أن الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية الاستعمارية أضفت على هذه الأساطير مسحة علمية وساعد على خلق وعي جماعي إثتي في رواندا، يشعر فيه التوتسي بالتفوق العنصري بينما يشعر الهوتو بالدونية، وهو ما أدى في النهاية إلى تفجر العنف الإثني والحرب الأهلية في رواندا47 .

 2- الجـماعة الـلغــويــة: وهي كل جماعة إثنية يشترك أفرادها في التحدث بلغة واحدة ، ويتمايزون من خلالها عن أفراد  الجماعات الإثنية الأخرى في مجتمعهم ،وهذا التباين اللغوي لابد وأن ينتج عنه تباين ثقافي فيما بين الإثنيات المكونة للمجتمع الواحد48، فعلى صعيد التعددية اللغوية توجد في إفريقيا أكثر من ألفي لغة ولهجة، إلا أن هذا العدد يمكن تقليصه إلى نحوخمسين لغة رئيسية إذا ما تم تجميع اللغات واللهجات المتشابهة ، والاقتصار على اللغات الرئيسية. وتنتمي هذهاللغات إلى مجموعتين رئيسيتين هما: مجموعة اللغات الأفرو آسيوية،ومجموعة لغات النيجر الكونغو، وكلاهما تتكون من مجموعات لغوية فرعية49.

3- الجـمـاعـة الـديـنـيـة :  وهي كل جماعة إثنية  يمثل  الدين المقوم  الرئيسي لذاتيتها وتمايزها عن غيرها من الجماعات الإثنية  الأخرى التي تشاركها ذات المجتمع50 ،وعلى صعيد التعددية الدينية يشهد الواقع الأفريقي أيضاً تعدداً وتنوعاً في الأديان والمعتقدات. فإلى جانب الدين الإسلامي و المسيحية توجد الأديان التقليدية و هي بدورها متنوعة بقدر تنوع وتعدد الجماعات الإثنية في القارة؛ إذ تتميز الأديان التقليدية بأنها محلية الطابع لا تمتلك أي فعالية خارج نطاق الجماعة الدينية المؤمنة بها51.

 - الا تجاه الثاني : يأخذ بالمكانة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجماعة الإثنية

 1- الجماعة المسيطرة : وهي تلك الجماعة الإثنية التي تهيمن على مقاليد السلطة في مجتمعها، والتي يتبوأ أفرادها أرقى المناصب والمواقع في الدولة،كما يشكلون الفئة الأكثر ثراء في ذلك المجتمع الذي يعد بمثابة تعبير عن هويتهم .

 2 - الجماعة غير المسيطرة : وهي تلك الجماعة الإثنية التي تكون بعيدة عن السلطة، والتي يحتل أفرادها مواقع غير رئيسية في الدولة، وهي غالبا ما تعاني من الاضطهاد أو التمييز أو الاستغلال  من جانب الجماعات المسيطرة ،غير أن هناك جماعات إثنية غير مسيطرة تتمتع بالمساواة مع الجماعات المسيطرة في مجتمعها،ذلك فضلا عن وجود جماعات غير مسيطرة تتمتع بالحكم الذاتي، وليس بالضرورة أن تكون الجماعات المسيطرة أغلبية والجماعات غير المسيطرة  أقلية في المجتمع، مثال : في ناميبيا  نجد أن الأقلية البيضاء تمتعت بوضع الجماعة المسيطرة على حساب الأغلبية السوداء التي لطالماعانت من الاضطهاد في ظل احتلال جنوب افر يقيا لناميبيا حتى أواخر عام 1988، كما نجد أن في دولة روديسيا (زيمبابوي حاليا) كانت الأقلية الأوروبية البيضاء تسيطر على مقاليد الحكم وتقمع الأغلبية  من السود الأصليين الذين نالوا استقلالهم بعد كفاح مرير عام 1979، وكذلك تحكم الأقلية البيضاء في جنوب افريقيا على حساب الأغلبية المضطهدة من السود الأصليين الذين تحرروا من التمييز العنصري بوصول المناضل" نلسون مانديلا " إلى السلطة عام 1994، كما تسيطر جماعة " التوتسي"على السلطة في بوراندي على حساب " الهوتو" التي  تشكل الأغلبية من السكان و لكنها تعاني من الاضطهاد في بوراندي، كما تسيطر أقلية " التوتسي" على مقاليد الحكم في رواندا بعد إطاحة الجيش التابع " للتوتسي" بالحكومة عام 1994 التي أغلبها من" الهوتو"، مما أدى إلى صراعات دامية 52 .

     ورغم أن الأقليات الإثنية في الدول الأفريقية عادة ما تكون في وضع غير مسيطر في مجتمعاتها وتعاني الاضطهاد، إلا أنها ليست بالضرورة دائما كذلك ، ذلك أنه هناك أقليات إثنية تتمتع بوضع مسيطر في الدول الأفريقية . 

  خصائص الإثنية في الدول الأفريقية                                                      -III

     تتميز الإثنية في المجتمعات الإفريقية بأربعة خصائص أساسية هي :

 أولا: أن الرابطة الإثنية تتميز عن غيرها من الروابط الاجتماعية بكونها رابطة وراثية وليست مكتسبة؛ ومن ثم فهي تقوم على أساس الوعي بالذات.

 ثانياً: أن الجماعة الإثنية تتميز بوجود إيمان جمعي بمجموعة من القيم والمعتقدات يتم التعبير عنها بشكل مؤسسي.

 ثالثاً:تتميز الرابطة الإثنية في إفريقيا بوجود تمايزات واضحة داخل الجماعات الإثنية، ولعل هذا ما يسوِّغ الصراعات الداخلية داخل كل جماعة إثنية، وهو الأمر الذي يزيد من تعقيد ظاهرة التعددية الإثنية في القارة الإفريقية.

رابعا:تتميز الإثنية في إفريقيا بأنها يمكن أن تتلاءم مع المواقف والسياسات المتنوعة والمعقدة بحكم ما تنطوي عليه من ولاءات فرعية متعددة .

خامسا:بالرغم من أن التعددية الإثنية أمر أصيل في واقع المجتمعات الإفريقية، فإن الاستعمار الأوروبي وبالأحرى السياسات  الاستعمارية ساهمت في زيادة حدة التعددية الإثنية إلى الدرجة التي أصبحت بها هذه التعددية أحد أهم أسباب الحروب والصراعات الأهلية في القارة الأفريقية53.

     من خلال ما تقدم يتضح أن القارة الأفريقية  تتميز بالتعدد الإثني، وهذا ماعزز التمسك بالهويات والثقافات المحلية، والذي غالبا ما تحول إلى صراعات وحروب سعيا لإثبات الوجود والحفاظ على البقاء في مواجهة  الإثنيات الأخرى التي بدورها تسعى لنفس الهدف ، مما يهدد استقرار وبناء الدولة في هذه القارة التي استفحل فيها الصراع الإثني حتى عرفت به وأصبح هذا المرض يهدد وجود الدولة بل والإنسان في حد ذاته54

    إن أهمية المكونات الإثنية في الدول الأفريقية (كوحدة العرق واللغة والدين..الخ) كمقوم للذاتية الإثنية تتوقف على الإدراك الذاتي لهذه المقومات من طرف أفراد هذه الجماعة،ففي بعض الأحيان تقدم الجماعة الإثنية المقوم اللغوي أو الديني على غيره من المقومات كالمقوم العرقي،وتضفي عليه أهمية كبرى كمحور لذاتيتها،غير أنه في أحيان أخرى تتقلص أهمية المقومات السابقة الذكر،وتبرز عوامل أخرى في المقدمة كمحاور أساسية لهوية هذه الجماعة الإثنية،ذلك أن الاختلاف بين الجماعات الإثنية في أي من المقومات الإثنية قد يكون كبيرا، ومع ذلك فإن أفراد هذه الجماعات  الإثنية قد لا يضفون على هذا الاختلاف أهمية تذكر، ولا ينتجون عنه آثارا ذات أهمية،غير أنه في أحيان أخرى ،قد يكون التمايز العرقي بين الجماعات الإثنية طفيفا، ومع ذلك فإن أفراد هذه الجماعات يضفون عليه أهمية قصوى بما يهيأ لمشاعر عدائية وسلوك صراعي متبادل بين تلك الجماعات،كما تجدر الإشارة إلى أن أحد المكونات أو المقومات الإثنية  كالعرق  أو اللغة أو الدين  قد  تكون له  آثاره البالغة على العلاقات بين الجماعات المختلفة  بسببه  في مرحلة تاريخية معينة ، غير أن هذه الآثار قد تتضاءل تماما في ظل مرحلة تاريخية أخرى 55 .

    تجدر الإشارة إلى أنه ليس من الضرورة أن يشترك أفراد جماعة إثنية معينة في كل المكونات السابقة الذكر ،حتى تعتبر هذه الجماعة جماعة إثنية، وإنما يكفي أن يرتبط أفراد الجماعة من خلال أي من هذه المكونات مثل : وحدة العرق أو اللغة أو الدين ، على أن  يكونوا مختلفين - بصدد هذا المقوم - مع غيرهم من أفراد الجماعات  الإثنية  الأخرى المشكلة للمجتمع 56 .

       عموما هناك مقاربتين للإثنية ، الأولى تنظر إليها كماهية مرتبطة بخصائص جسدية أو عقلية ثقافية ثابتة تميز كل جماعة بشرية وتفترض أن وجود الإختلاف الإثني هو المصدر الأصلي للنزاعات وهو ما عزز انبثاق النظريات العنصرية والعرقية في القرن التاسع عشر التي أكدت على الربط بين الإنسان الأبيض والحضارة  وعلى بناء علاقات هرمية تراتبية بين المجتمعات لتبرير سيطرة الجماعات الأعلى في سلم الهرم على الجماعات الأدنى على اعتبار أن هذه الأخيرة لم تصل بعد إلى مستوى الرابطة الوطنية ولا الحضارة الإنسانية وهو ما سمح بإبادة الأجناس البشرية المنحطة في هذا الهرم . أما المقاربة العلائقية فلا تنفي وجود الإختلاف الإثني  بقدر ما تعني أن التوتر الإثني لا يشكل مصدر نزاع في حد ذاته إلا في ظرف أو سياق معين أي استنادا إلى طبيعة العلاقة التي تقوم بين الأفراد و الجماعات والتي تدفع إلى تنمية الشعور الإثني لهذه الجماعة الذي إما أن يقود إلى النزاع أو إلى التعايش بينها وبين الجماعات الأخرى حسب الظروف والسياق الذي توجد فيه  بمعنى أن النزاعات ليست انعكاسا للتركيبة الإثنية وإنما العكس هو الصحيح  ، أي أن النزاعات الإجتماعية هي التي تخلق العصبيات من طرف الفئات المهمشة وتؤدي إلى التجمعات المعارضة سواء منها الحديثة كالمجتمع المدني والمنظمات والأحزاب ، أو التقليدية كالقبيلة والإثنية والطائفة والمذهب 57

      يتبين لنا من خلال استعراض نشوء مصطلح الإثنية وتطور نظرياته أن هذا المصطلح قد ارتبط بنشوء الحركة الاستعمارية الأوروبية لدول العالم الثالث والذي استعملته كمبرر لشرعية احتلالها لهذه الدول ، ولهذا فإن المهم في الواقع الأفريقي ليس هو فهم الإثنية كواقع مادي يمثل التنوع والإختلاف المجتمعي في حد ذاته بقدر ما يهمنا أكثر فهم الخطاب الإثني وأهدافه ، فالخطاب الإثني الأوروبي للمجتمعات الأفريقية مثلا  هدفه هو البحث عما ينفي وجود الأمة في أفريقيا ونفي وجود أي رابطة قومية تبرر مطالب استقلال الدول الأفريقية وحصولها على حقوقها وهو خطاب يسعى إلى تحويل المجتمعات الأفريقية إلى مجتمعات غير منسجمة وتعوزها الوحدة القومية مما يسهل السيطرة عليها من طرف الدول الأوروبية وهو ما استمر بعد استقلال الدول الأفريقية في شكل  تبعيتها للدول الأوروبية المستعمرة لها سابقا بل وحتى الوصاية عليها سياسيا واقتصاديا ، ولهذا لا يمكن فصل الإثنية عن سياقها التاريخي التي نشأت فيه لارتباطها به ارتباطا وثيقا .

       من خلال ما سبق  يتبين لنا أن نظريات علم الإجتماع السياسي المفسرة  للإثنية والهوية في إفريقيا إنما وضعت من طرف مفكرين غربيين من أجل خدمة المستعمر في إحكام  سيطرته على القارة السمراء ، و الترويج  للمركزية الغربية التي تحاول أن تقنع الشعوب المستعمرة ، بأن الاحتلال الأجنبي يحمل لها الثقافة والحضارة ليقنع هذه الدول في استمرار تبعيتها للدول المستعمرة  لها ، وسلاحه في ذلك هو تأجيج الصراعات بين الإثنيات المختلفة في القارة ، و جعله للعامل الإثني عامل صراع  وليس عامل تعاون واتفاق ، بحجة حماية الخصوصية الإثنية لهذه المجتمعات .

      إن الخصوصية الإثنية في الدول الأفريقية  ذات أهمية كبيرة في تشكيل هوية الجماعات الإثنية  والمجتمعات  والتي ترتبط بها ارتباطا وثيقا على اعتبار أن القارة الأفريقية تتميز بالتعدد الإثني ، كما لها دور في التفاعلات المختلفة بين المجتمعات فيما بينها من جهة ، وبين المجتمعات والدولة من جهة أخرى، كما أن تأثير المكونات الإثنية نسبي و لا يخضع لشروط معينة أو لأسباب ثابتة  بقدر ما يكون استجابة لظروف وضغوط بيئية ومرحلية  متغيرة  مما يدل على أن الإثنية عموما ترتبط بالتفاعلات والعلاقات الإجتماعية التي تتغير بتغير بيئاتها وظروفها وسياقاتها ، وتتسم كذلك بخصائصها وسماتها المختلفة باستمرار كالتعاون والتضامن والنزاع والإنشقاق إلا أنه غالبا ما تربط الإثنية بالنزاعات كتفسير لها في أفريقيا خاصة على اعتبار أن التنوع الإثني يحمل بذور النزاع لدى هذه المجتمعات المختلفة على عكس الإثنيات في الدول المتقدمة التي يشكل التنوع الإثني لديها عامل تعايش وثراء ثقافي ذلك أن الدول الأفريقية الحديثة تفتقر إلى تنظيمات حديثة وإن وجدت فهي شكلية لغياب الديمقراطية والحكم الراشد فيها على عكس ما هو عليه الأمر في الدول الغربية المتقدمة ، أو بالأحرى فإن الإثنية في أفريقيا إنما تعبر عن إخفاق عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة وفشل خطاباتها الحداثية التي حلت محلها الخطابات العصبية الإثنية بأنماطها التسلطية والإقصائية كتعويض عن الفراغ الكبير الذي تركه غياب الاستقرار والعدالة والمساواة والحريات في ظل هذه الدول  .

هوامش المقال :

 1 - سامية شابوني،" النزاع الرواندي بين المعطيات الداخلية والمؤثرات الدولية"، مذكرة ماجيستير" (قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، كلية العلوم السياسية والإعلام،جامعة الجزائر،2010) ،ص. 23.

2- ابراهيم سعد الدين، تأملات في مسألة الأقليات (الكويت: دار سعاد الصباح ، 1992 )، ص.32.

 3- محمد مهدي عاشور، التعددية الإثنية في جنوب أفريقيا  (طرابلس : دار الكتب الوطنية ، 2004) ، ص.28.

4- نفس المرجع ، ص. 23 .

5- أحمد  وهبان، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر ( الإسكندرية:كلية العلوم السياسية،2007)،ص.81 .

6 –برهان غليون ، الإثنية والقبلية ومستقبل الشعوب البدائية ، نقلا عن موقع:

www .attasamoh.net /Article. Asp?Id=510 .(23/04/2012)

7- أحمد وهبان ، نفس المرجع ، ص. 84 .

 8- أحمد وهبان ، الهوية الوطنية (  الجزائر : دار الأمة ، 1999 ) ، ص ص. 21، 22 .

 9-حسن  الحاج علي ، البناء الاجتماعي للسياسة العالمية، من موقع:  

www. هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته   ( 09/11/2011)                                                                                                                                   - أحمد وهبان، الصراعات الإثنية واستقرار العالم المعاصر ، نفس المرجع ، ص.86.       10

 - نفس المرجع ،ص ص.87 ،89 .11

- محمد نجيب بوطالب ، سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ،  12

2002 ) ، ص ص . 34- 39

- نفس المرجع ، ص. 40 .13

- محمد عزت  حجازي وآخرون، نحو علم اجتماع عربي (  بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1989 )،14

ص. 265 .

- محمد نجيب بوطالب ، المرجع السابق ، ص.41 .15 

- نفس المرجع ، ص ص. 44-46 .16

 - نفس المرجع ، ص ص. 47-50 .17

18- Geiser Christian ,Approches Théoriques sur les conflits ethniques et les réfugies,

disponible sur : www.Paix  Balkans .org . pdf )15/01/2012)

 -عبد الغفار محمد أحمد ، فض النزاعات في الفكر والممارسة الغربية ( الجزائر : دار هومة ، 2003 )،ص.159 .19

-المرجع نفسه ، ص ص. 17، 18 .20

 -نفس المرجع ، ص.21 .  21

22- Barry, Bosin , The security Dilemma and ethnic conflict , disponible in :

www. web . mite du . pdf )12/03/2012)

23- Dario , Battistella, Théories des Relations Internationales ( Paris :Press de

 sciences Politiques , 2003 ) ,p .267.

24- Jean ,Jacques Roches , Théories des Relations internationales (Paix :Montchrestien, 2004 ) , p .141.

25- Dario, Battistella , op. cit , p . 268.

26- Ibid , p. 272

27- Jean ,Jacques Roches, op. cit , p .141

2- حسن الحاج علي ، المرجع السابق . 8

   ،المرجع السابق ، ص ص . 170، 171  عبد الغفار،محمد أحمد-29

30- François Thaul , Les conflits identiques (Paris :Elli press ,1995) , p . 159

 - عبد الغفار،محمد أحمد، المرجع السابق ،ص ص.166، 167 31

32- Patrick, Chabal et Jean Pascal, Dalloz , LʼAfrique est partie du désordre comme

 instrument politique  (Paris : économica ,1999) , p . 77

33- David  ,Charles Philippe, La guerre et la paix approches contemporaines de la sécurité   et de la stratégie ( Paris: Press de la sciences politiques ,2000) , p . 163 .

34- François Thaul , op . cit ,p . 183 .

35- Ibid , p . 159 .

36- Ibid , p . 180.

37- Patrick, Chabal et Jean Pascal, Dalloz, op . cit , p. 78.

38- François Thaul , op . cit ,p .181.

39- Ibid , p .174.

- أحمد وهبان ، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر، المرجع السابق ، ص. 9040

- سلمان الغويل ،الدولة القومية (منشورات جامعة قاريونس ، 1999) ، ص .105 41

-أحمد وهبان ،المرجع السابق ، ص .99 42

-نفس المرجع ، ص99.43

-نفس المرجع ، ص ص . 100-103 .44

- سلمان الغويل ،نفس المرجع ،ص.10645

. -أحمد وهبان ، نفس المرجع ، ص . 12946

- صبحي قنصوة ،العنف الإثني في رواندا  (القاهرة : برنامج الدراسات المصرية الأفريقية ، 2001 )،ص ص.7،647

- أحمد وهبان ، نفس المرجع ، ص . 13148

- حمدي عبد الرحمان ،التعددية وأزمة بناء الدولة في أفريقيا الإسلامية (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقي ، 49

1996) ، ص ص . 30-36  .

-أحمد وهبان ، نفس المرجع ، ص . 131 .50

-  حمدي عبد الرحمان ، نفس المرجع ، ص . 37 .51

- أحمد وهبان ،نفس المرجع ، ص ص . 131-136  .52

- حمدي عبد الرحمان ،التعددية وأزمة بناء الدولة في أفريقيا الإسلامية ،المرجع السابق ، ص ص . 26،2553

- أحمد وهبان ، نفس المرجع ، ص . 100 .54

                                                                                             - أحمد وهبان ،نفس المرجع، ص ص. 105،10455

-  فاروق مصطفى اسماعيل ،العلاقات الاجتماعية  بين الجماعات العرقية : دراسة  في التكيف والتمثيل الثقافي  56

 ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة  للكتاب : 1975 ) ، ص. 61 .

57- برهان غليون ،  المرجع السابق .



Share Link: Share Link: Bookmark Google Yahoo MyWeb Digg Facebook Myspace Reddit
 

L’équation géopolitique de la région Sahel-Maghreb : Le dilemme de l’engagement algérien.

article thumbnail

Dans chaque continent, il y a eu des Etats, des régimes et les idéologies qui ont cherché la domination à l'échelle régionale. Il n’est pas surprenant donc que l’Afrique du Nord ne fasse pas exception. L'histoire de la région a été beaucoup plus caractérisée - et de plus en plus avec le temps- par des régimes et des États qui cherchent leur propre intérêt, quel que soit  [ ... ]


les viols comme armes de guerre en afrique

article thumbnail

Les femmes du Congo face aux séquelles des viols “S’il y avait eu la paix, cela ne nous serait pas arrivé”, dit Kasoke Kabunga. Comme des milliers d’autres femmes dans l’Est de la République démocratique du Congo (RDC), Kasoke et sa fille ont été violées par des miliciens armés. Sa fille est morte, Kasoke a survécu mais a contracté le VIH/sida. Une victime de viol récupère &ag [ ... ]


La sécurité humaine dans les pays maghrébins : Précarité, Privation, Vulnérabilité et les risques sécuritaires au Maghreb

article thumbnail

1. La problématique de la sécurité humaine •             La sécurité humaine est celle qui va le plus loin en prenant pour objet référent non plus l’État, ni la société, ni la communauté, mais l’être humain. •             Le concept de sécurité humaine repose ainsi sur les principes d’émancipation de l’individu en le « libérant de la peur et du besoin », et de justice sociale


..


جميع الحقوق محفوظة للمجلة الأفريقية للعلوم السياسية
MASPOL 2010-2014